الشريف الرضي
26
حقائق التأويل في متشابه التنزيل
زادهم هدى وآتاهم تقواهم ) ( 1 ) فأضاف سبحانه ( 2 ) الفعل في الإزاغة إلى نفسه ، على اتساع مناهج اللغة في إضافة الفعل إلى الآمر ، وإن وقع مخالفا لامره ، لما كان وقوعه مقابلا لامره ، ويكشف عن ذلك قوله تعالى : ( إنه كان فريق من عبادي يقولون ربنا آمنا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الراحمين . فاتخذتموهم سخريا حتى أنسوكم ذكري وكنتم منهم تضحكون ) ( 3 ) ، وهؤلاء الفريق من عباد الله لم ينسوا الفريق الآخر ذكر الله ، وكيف يكون ذلك وهم يحادثون أسماعهم وقلوبهم بذكره سبحانه وعظا وتخويفا ، وتنبيها وتحذيرا ؟ ! ، ولكنهم لما اتخذوهم سخريا وقاموا على سئ أفعالهم وذميم اختيارهم ، أنسوهم ذكر الله ، فأضيف الانساء إلى ذلك الفريق من عباد الله ، إذ كان نسيان من نسي ذكر الله سبحانه إنما وقع في مقابلة تذكيرهم به وتخويفهم منه ودعائهم إليه ، فحسنت الإضافة على الأصل الذي قدمناه . وأقول : إنه قد جاء الاتساع في اللغة بالزيادة على هذه المرتبة التي ذكرناها من إضافة الفعل إلى الآمر ، وإن لم يأمر به ، بل أمر بضده ، لما وقع مقابلا لامره فسمي من كان سبب الضلال مضلا ، وإن لم يكن
--> ( 1 ) محمد : 17 . ( 2 ) هذا الذي يذكره هنا - من أن إضافة الإزاغة إليه سبحانه على اتساع منهاج اللغة باعتبار انه تعالى امرهم بالهداية - لا يصح أن يكون من تمام الكلام السابق أعني حمل الإزاغة على العقوبة على زيغهم ، فان كلا منهما جواب مستقل بنفسه ، لان الأول يرجع إلى التصرف في كلمة الإزاغة والثاني إلى التصرف في اسنادها إليه تعالى . ( 3 ) المؤمنون : 109 ، 110